منذ سفري لأحد البلدان الغربية بقصد إجراء عملية جراحية في القلب، وأنا أُشعُرُ بمُؤامرة صهيونية تُحاك ضدي!

لا أدري كيف استطاعوا تخديري، ونقلي إلى مركبة أشبه ما تكون بالطائرة!

استيقظتُ لأرى نفسي جالِساً على مقعدٍ في الجهة اليمنى من طائرة تبدو موحشة وغريبة، وقد صُبغت جدرانها بألوان داكنة مُريبة، كل ما حولي يوحي وكأنه سِجنٌ داخل طائرة، لا أدري من وضعني هنا، وما الذي يُريدونه مني، ولا أدري إن كانت مركبة بهذا السوء بإمكانها التحليق حقاً كما هي باقي الطائرات!

الأجواء حولي مُظلمة إلى حدٍ كبير، واللافِتُ أنه ورغم أني في طائرة قديمة وغير صالحة للاستخدام كما ظننت، إلا أن أمام كل مقعدٍ شاشة عرض تماماً كما في طائرات نقل الركاب المعروفة!.. ولكن لحظة، من هؤلاء حولي!

أيمكن أن أكون قد جُنِنت! هل أُشرِبتُ سائلاً مُخدِراً يحتوي أقوى أنواع الكحول حتى ثمِلت!

هذا لا يُصدق، فصحيحٌ أني مُتابِعٌ جيد لأفلام الكرتون الخيالية، إلا أن ذلك لا يبرر سبب مشاهدتي لصدام حسين، الرئيس العراقي السابق يجلس في الصف الأول من الطائرة! مُرتدياً بدلةً سوداء وقميصاً أبيضاً، وواضِعاً قبعته السوداء الشهيرة على رأسه وهو يدخن “السيجار”، بينما يشاهد فيلماً وثائقياً عن أبرز أقواله ضمن مرافعاته في المحكمة، تليها مشاهد إعدامه! لحظة، من ذاك الذي يجلس بجانبه وينظر إلى لحظة الإعدام وهو مستغرق في الضحك!

أظُنني تذكرته، ومن غيره يجرُؤ على الضحك بهذا الصوت العالي مُتجاهِلاً إزدحام الطائرة وقوانين السفر عليها!

إنه “أدولف هتلر” بزيه العسكري نفسه الذي كنا نشاهده في برامج التلفاز! يقوم بإعادة مشهد الإعدام من الشاشة المُخصصة لمقعد صدام مستمِراً في ضحكه الهستيري، واضعاً إحدى يديه على بطنه ومشيراً بالأُخرى في وجه صدام، الذي لم يُحرك ساكِناً إلا حين مال بجسده قليلاً إلى اليمين مُدخِلاً يده في سُترته، وبثقة تامة، تناول محفظة من جيب سترته وأخرج منها صورة شخصية بحجم صور الجواز واضِعاً إياها في وجه هتلر، الذي صمت فجأة، وأحمر وجهه، ومالت الكفة لصدام الذي بدأ بالضحك! والغريب أنه وأثناء ضحكه رمى بالصورة على الأرض لتسقط في الممر أمامي، وإذ بها صورة “ونستون تشرشل ” رئيس وزراء المملكة المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية، والعقل المدبر لقوات الحلفاء المُنتصرة على هتلر!

نظرت حولي، وإذ بالطائرة مُمتلئةُ بالركاب غير المبالين بما يجري حولهم، الظُلمةُ تمنعُني من النظر إلى وجوههم، إلا أني أستطيع تمييز هيئاتهم، فهناك من يلبس قُبعات كتلك المستعملة في الحروب! وآخرون يلبسون عمامة كبيرة كقدماء العرب! وغيرهم يرتدي أزياء غريبة لا يمكنني حتى وصفها! ووسط هذه الحيرة، سمعت صوت امرأة تصرخ فجأة:

“أين طاقم الطائرة ؟ كيف تُجلِسون هؤلاء – وتشير إلى أماكن جلوس صدام وهتلر – في منتصف الصف الأمامي من الطائرة، بينما أنا “ماه دوران” ولدي طِفلٌ رضيع أجلس بعيداً ولا مكان لوضع سريره؟ اسمعوا، إن لم تستبدلوا مقعدي بمقاعد هؤلاء المُزعجين في الأمام، سأشكيكم عند زوجي السلطان سليمان القانوني، السلطان الثلاثون للدولة العثمانية، وهو لن يتوانى عن معاقبتكم على استخفافكم بي!

هنا، تجمع الناس حولهم، وتدخل من يحاول حل المشكلة، وبالطبع فشجارٌ كهذا قد يُنذر بحرب عالمية لا تُحمد عُقباها !! فالموضوع هنا ليس مجرد مقعد، بل فرض واقعٍ سياسي في جغرافية المقاعد على حد فهمي !!

ولذا كان لابد لـ”كابتن” الطائرة أن يتدخل شخصياً لفض النزاع، وهو ما حدث حين وصل رجلٌ ذو وقارٍ يلبس لبساً فضفاضاً، ويحتزم بحزام قطني داكن اللون، وعليه تاجٌ على شكل مثلث أظنه كان يُسمى بـ”الشربوش” في العهد المملوكي، ألقى السلام على المُتخاصِمين وبدأ بالإستماع لأقوالهم حول القضية!

 

لا أدري أأضحك على ما أرى وأسمع، أم أحاول التعايش مع المكان والناس من حولي!

لا يمكنني تصديق ما أراه ! أين أنا ؟ من هؤلاء ؟ أهي تمثيلية من تلك العصابة لإخافتي؟

في الخلفية صوت شجارهم، وأنا مستغرقٌ في تفكيري أثناء جلوسي في المقاعد المحاذية للنافذة عن يمينهم، حيث كُنتُ قد أُجلِستُ على اليسار، بينما يجلس شخصٌ ذو بدلة عسكرية زرقاء عن يميني عند النافذة، فكرت بسؤاله لعله يبادلني علامات التعجب، إلا أنه يتجاهل ندائي له وكل هذه الضجة في الطائرة، ويستمر في تسمُرِه أمام النافذة المغلقة أصلاً!

أخيراً وبعد أن بدأت بشدِ قميصِه، التفت إِلي، وبصراحة، وبعد ما شاهدته قبل قليل، لم تكن مفاجأة حين علمت أن من كان يجلس بجانِبي، كان القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت، تماماً كما كان في الرسمات المرسومة له!

وبالطبع، قمت بابتلاع أسئِلتي تباعاً، فمن عساني اسأل هنا !

 

لا يزال الشِجارُ مُحتدِماً، فاحمرار وجه هتلر وشراهة صدام في تدخينه كافيتان لتدُلانِ على مدى غضبهم من طلب زوجة السلطان العثماني كما تدعي! وهنا جاء أحدهم ليُخبِر قائد الطائرة بضرورة عودته إلى قُمرة القيادة استعداداً للهبوط. وعلى الفور، توجه إلى قُمرته مُحذِراً إياهم من أي حركةٍ قد يقومون بها أثناء عملية الهبوط، وموصياً إياهم بضرورة ربط حزام الأمان! أما زوجة السلطان، فقد أمر أن تُرفع إلى درجة “رجال الأعمال” في الطائرة لحل المشكلة!

“تستعد الطائرة للهبوط التدريجي في المحطة القادمة، الرجاء البقاء في مقاعدكم وربط أحزمة المقاعد، مع تحيات طاقم الطائرة”

وسط دهشتي بما يحدث من حولي، لازمت صمتي وجلوسي مكتوف اليدين، فكل الوجوه حولي غريبة لا تُبشر بخير، لا حل لدي سوى الهرب وتبديد مخططاتهم، أمام زميلي “نابليون بونابرت” باب صغير عليه مِزلاجٌ أحمر كتب فوقه بخط واضح “باب الطوارئ”، وبالقرب منه سُترةُ نجاة أستطيع نفخَها واستخدامها للنجاة من الغرق في البحر أو تقليل سرعة الاصطدام بالأرض. هذه فرصتي، سأستغِلُ سرحان نابليون وانشغال صدام وهتلر بأحاديثهم لأقوم بفتح الباب والقفز منه عند اقتراب الطائرة من سطح الأرض!

تغير ما كانت تعرِضُهُ الشاشة أمامي فجأة، ظهرت عليها رموزٌ غريبةٌ تنتهي بأرقامٍ كانت الشيء الوحيد الذي أستطعتُ فهمه، أظُنُها كانت 786 – 809! لم أدري ما تعني، بل ولم يُسعِفني الوقت في التفكير، فما هي إلا ثوانٍ حتى حدث أمرٌ طارئ في الطائرة حسبما أعلن الـ”كابتن” عبر مكبرات الصوت، مما اضطره إلى الارتفاع مُجدداً وتغيير وجهة الهبوط!

يا إلهي أي عصابة أتعامل معها، هل أدركوا خطتي المُحكمة؟ لا بأس، سأقفز يعني سأقفز، وفوراً!

لبستُ سترة النجاة المحفوظة تحت مقعد الطائرة، توجهة نحو باب الطوارئ وأدرت مقبضه ففتح من فوره، سميت بالله ورميت بنفسي دون تفكيرٍ في المكان الذي قد أقعُ فيه!

 

أرمي بنفسي على ارتفاع آلاف الكيلو مترات، أنا حالياً بين الغيوم، أستطيع رؤية الأرض من تحتي والرياح تصفع جسدي من كل اتجاه!

أرى منظراً رائعاً لا يُكاد يوصف، وددت ألا تكون هذه آخر لحظات حياتي كي أتمكن من وصف جمالها كما أفعل الآن. ما أراه أشبه بمدينة تمتد لتحوي آلاف البشر، مبنية على شكلٍ دائري مُتقن، ينتصِفُها بناءٌ كبيرٌ به منارة عالية، وقصرٌ تفترِش سقفُه قبةٌ خضراء واسعة، أستطيع عدَّ سبعة بوابات كبيرة محيطة بها، أي روعة هندسية هذه! لعلي أُدوِن تفاصيل زيارتها قريباً..!

 

خيال مستوحى من وقائع رواية #إيوان_الرشيد ..!

‎تعليقات الفيسبوك

‎أضف تعليق