تكريمي من قِبل دار اكسفورد للكتاب بعد حصولي على المركز الثاني في مسابقة طيران الإمارات للآداب

تكريمي من قِبل دار اكسفورد للكتاب بعد حصولي على المركز الثاني في مسابقة طيران الإمارات للآداب – السبت 9 مارس 2013

.

طريقٌ طويلٌ وشاق، يحتاج جُهداً بدنياً ونفسياً كبيراً، قد نخسَرُ خلاله الكثير والكثير، إلا أنه ثمن “البحث عن الحقيقة” في زمنٍ كثُرت فيهِ الأكاذيب.

كنت مُنذُ سنتـين قد اقـتـنـيتُ سيارةً تُعـد من أقوى السيارات من نوعها. “همـر” هو إسم سيارتـي، وربما تكون تلك المُقدمة أبلغُ وصفٍ نصِفُ فيِه السنين الأخيرة من حياة سيارتي التي كانت قد وُلِدت في القرِن الماضي في الولايات المُتحدة الأمريكية.

لم أكن أتصورُ يوماً أن السيارة التي اقتنـيـتُها لتُسهِل علـي الانتقال من مكان إلى آخر ستُصبِح فيمـا بعد شُغلي الشاغِل. فمُنذ أولى أيام تعارُفِنا، وفي أيام تسجيل المركبة وفحصها، أحسَستُ أن بِها مُصاباً لا يُمكن اكتشافه بالأجهزة الكهربائية ، فكما يبدو لي أن المُصاب أكبر وأكبر.

وبعد أسابيعٍ قليلة، وبعد الانتهاء من كُلِ تلك الاجراءات أخذتها في رحلةٍ إلى مدينة بعيدة تتميز بكثبانها الرملية الناعمة. قُدتها وسط تلك الكثبان واستقررنا تحت ظلِ شجرة كانت قد مدة أغصانها وسط تلك الصحراء الذهبية لتصنع ظِلاً يستأنِسُ به المَارة. أوقفتها هناك، وذَهبتُ أتفحصُ المكان فكم هو رائِعٌ ذلك الهدوء في تلك الأرض الخالية الرحبة. وفجأة! وإذا بالـ”الهمر” تنفجِـرُ بُكاءً، وصوت مُحرِكِها يكاد يصنعُ عاصفة رملية هناك، وأخذ بوقهـا يُـقهقِر وبشدة. ذهبت أركض إليها وكلي علامات تعجُبٍ واستفهام؟! هل آذيتُها؟ هل أذنبتُ بِحقِها؟ أم أنها لم تعتـد الغوص وسط رمال الصحراء الحارة؟

وحين وصلتُ إليها وجدتها قد سكتت وعليها آثارُ حزن عميق مُغلفةً بعلامات استحياء وخجلٍ عما بَدر. هنا بدا لي الأمر واضحاً! إنها تُخفي الكثير عني، ولكن لماذا وماهو السبب؟ ذلك هو السؤال الذي طرحته عليها وطلبت منها الإجابة. أخذت الـ”همر” تمسحُ دموعها وتنفِضُ ما عليها من تُراب كان قد علِق بها، وتطلب مني الصَفحَ عن ما بدر منها وترجوني أن لا اسألها عن السبب. إلا أن إصراري على معرفتهِ جعلتها توافق على البوح به.

أخبرتني الـ”همر” أنها كانت تشُق طريقها بِثباتٍ منذ ولادة أول أُختٍ لها قبل 20 سنة من الآن، وكان الكُل يتكلم عن عائلتهم العملاقة ومـَدى تطور التكنولوجيا المُستخدمة فيها حتى أصبحت وخلال أقل من 10 سنوات من أشهر السيارات في العالم، وأصبح يتردد إسمُها في كل البلدان وعلى ألسِنة جميع فئات المُجتمع كواحدةٍ من أميز السيارات في ذلك العصر. ليس هذا فحسب، بل أنها كانت تُعرف بأنها عائِلةً عسكريـة شاركت في الكثير من الحُروب والمعارك المُختلفة في كُل أنحاء العالم، وفي مُختلف الظُروف المناخية، حتى باتت تُعرف بـ “وحش الحروب” وأصبح لا يخلو جيشٌ في العالم من أحد أفراد أُسرتِها.

هُنا، استوقفـتُها قليلاً لأسئلها: أحقاً ما تقولين يا “همر”؟ ألكِ كُلُ ذلك التاريخ المُشرق؟

ابتسمت الـ”همر” وأخذت تمسح على رأسي وتقول: “أنا لم أُخبرك شيئاً عن تاريخي بعدُ يا صاحبي! كانت هذه رؤوسُ أقلامٍ بسيطة أحببت أن أجعلها كـ مُقدمةٍ سريعةٍ لما سأُخبِرُك به، ولا عجب في دهشتك، فصحيحٌ أن أعمارنا مُتقاربة، إلا أنكم أنتم البشر تنمون ببطءٍ وتمرون بمراحل طفولةٍ طويلة على عكسنا نحن الآلات، حيث أننا نولد شباباً ونبدأ عملنا فوراً ونموت حين يتركنا الناس”.

سَكتُ قليلاً ثم سألتها: “أبعد كُل هذا الماضي المُشرِقِ من حُزن؟ ”

ردت علي بصوتٍ خافت: “نعم يا صاحبي، فياليت الحاضر يحمل بعضاً من ثنايا ذلك الماضي المُشرق! فما حدث من أحداثٍ وتبِعاتٍ بعد الأزمة المالية العالمية مزق كل زوايا ذلك الماضي وتركنا أنا والآلاف من إخوتي اليوم يتامى! يتامى بعد أن أفلست الشركة الأُم، يتامى بعد أن أغلِقت شركتنا وعُطِلت مصانِعُنا وبيـع إسمُنا لأُناسٍ غُرباءٍ لا نعرفهم يقطنون شرق آسيا! اشترونا ليقوموا باستخدام بعضٍ من قِطعِنا لتجاربهم ولتركيبها على سياراتهِم الحديثة”.

“حدث هذا قبل 4 سنين من الآن، أما نحن معشر الـ”همر” اليوم، فإننا نعيش في شتاتٍ وضياع، ففي كُلِ يومٍ ينقُص منا أخٌ جديد بدون ولادة من يخلفُه وهو ما يهدد بانقراضنا واختفائنا عن الوجود وإلى الأبد! فلا من شركةٍ نستظل تحت ظلها، ولا من مؤسسة تحمي من بقي مِنا. حتى أحبابنا وأكبر زبائِن شركتنا أصبحوا اليوم يبيعوننا واحدٍ تلوا الآخر خوفاً من أعطالنا أو كسادنا”.

“أما أنا يا صاحبي فلم أستطِع رُؤية كُلِ هَذا وأبقى مكـتوفة الأيدي، فقد عَقدتُ العزم على البحثِ والتقصي حول حقيقَةِ ما حـَل بِنا، فلا أكادُ أُصدِقُ أن شركةً وَصلت لِما وصلنـا إليه لا تستطيع مقاومَة رياح الأزمة العاتية وتُعلِنُ إفلاسها بسبب الأزمة الماليـة! فلابُد من فسادٍ وراء ذلك، ولابد من وجود سوء إدارة حقيقي وسوء تصرُفٍ بالأموال أدى إلى هذا الإنهيار المُفاجئ بنا. وقد بدأت لعبة البحث عن الحقيقة الضائِعة يا صاحبي منذ سنتين أو أكثر، وذلك بين تلك الملفات المُعقدة والتي يعود تاريخها لأواخِر القرن الماضي. ولم أقف أو أتراجع حتى أكتشف الحقيقة وأُعيد مجد عائلتنا الضائع”.

استوقفتها هنا للحظاتٍ وسألتها: “ولكن ألم يبحث أحدٌ في تلك الملفات؟ ألم يجري التحقيق في الموضوع؟”

أجابتني الـ”همر” بأن القضَاء قام بالتحقيق في الموضوع واستدعى كل المعنيين به في الشركة، إلا أن تلك التحقيقات خلُصت إلى عدم وجود مُذنِبٍ في القضية وأنها نتيجة أزمة عالمية لا يستطيع تحمل مسؤوليتها أفرادٌ بعينهِم.

عِندها فقط أحسستُ أنها مُلِمةٌ بكل زوايا القضية، وأنها عازمة على البحث عن الحقيقة وأنها تبذُل كُل ما بِوسعِها لذلك، إلا أنني لم استطع رُؤيَتها بهذا الحُزنِ العميق، فقلت لها: “عزِيزَتي، لِماذا ترُيدين البَحث عن الحَقيقة وهِي قد تكُون مُؤلِمةً في غالب الأحَيان، وما فائِدتُها الآن وقدَ أصدَر القضاء حُكمه؟”

فرَدت علي الـ”همر” بِصوت الواثِقِ المُصر: “صَحيحٌ أن التشكِيك في الآخرين مُشكلة، إلا أن البَحث عن الحقيقة مطلوبٌ دائماً، وأنا لا أُشكِكُ في القضاء بل سأعملُ على جمع كُل الأدلة اللازِمةِ لإظهارِ الحقيقة مهما صاحب مشوارُها ألمٌ وحُرقة. هل تعلم يا صاحبي أني وفي كل ليلة أحلُمُ بصوت يصرخ من بعيدٍ وينادي “يا أيها الباحِث عن الحقيقة .. يا أيها الباحث عن الحقيقة .. أبشر .. فقد قرُبت ساعةُ الحقيقة””.

“العجب العُجاب يا “همر”، من كان يُصدق أن سيارة بهذا الحجم الكبير تحمِلُ هموماً تزن وزنها بل وقد تفوقه بمرات، هل لي بِسُآلٍ أخيرٍ يا عزيزي؟ أجيبيني بِصراحة، إذا كان لديِك كُل تِلك الطموح في نبش الحقيقة، فلِما عُرضتي للبيعِ؟ فهذا بلا شكٍ سيُعيقُ مشوارك وسيأخُذُ جُل وقتك ولم تجدي الوقت الكافَي للبحث والتَقصي؟”

ردت الـ”همر” باستحياء: “نعم صدقت يا صاحبي، ولكن لم يكُن لدي حلٌ آخر حتى أتمكنَ مِن الحُصـولِ على بعض المال الذي سيُعينُني في رِحَلتي، فكما تعرِفُ أنني سيارةٌ ذات دفعٍ رُباعي، أسَتهلِكُ الكثيرَ مِن الطاقةِ عند تِجوالي، ولابد لي من مصرِفٍ أستطيع تأمينَه لاُكِمل مِشواري”.

رددت عليها باندهاش: “لم أفهم ما تقولين؟ هل تقصدين بكَلامِك أنكِ كُنتِ تنوين الهرَب مني بعد فترة؟”

أجابت الـ”همر” مُسرعة: “لا يا صاحبي، ليس الهرب من صفات عائلةٍ عسكريةٍ كـ عائِلتَنا، إلا أنني كنت أنوي أن أُفاتِحَك في الموضوع بعد شهرين أو ثلاثَة، كُنت سأُخبِرُك قصتي وسأطلُب مِنك السماح لي بالذهاب لجمع الأدلة الكافية وإظهار الحقيقة أمام الجميع ومِن ثُم أعود إليكَ لأُكمِل معك باقي سِنين عُمري”.

هُنا بدا لي كُل شيء واضحاً، عرفُت سَبب حُزنِها العميق، وعرفتُ ما كانَت تنَوي فِعله. هي فعلاً سيارةٌ مسكينة، أحسست في لحظتِها أن علي تقديمُ شيءٍ لها. لم أتردد وأتخذتُ ذلك القرار! “عزيزتي، أنتِ منذ اليوم حُرة، اذهبي وأكمَلي مشوار بحثِك الطويل، اذهبي وسأبقى أنا ها هُنا أترقَب ما سيؤول إليه بحثُكِ، اذهبي ولكِ حُرية العودة”.

حينها صاحت الـ”همر” بأعلى صوتها ودموع الفرح تملؤ زُجاجها وقالت: “لم أتوقع أن تكون يا صاحبي بكُلِ تِلك الطيبة، اشكُرُك، اشكُرُك، اشكُرُك، وأعِدُك بالعودة فوراً بعد كشف الحقيقة”.

 

كانت هذِه الحِكاية آخر عهدي بسيارتي الـ”همر”، واليوم وبعد مرور عامٍ عليها، وإذ بي أقرأُ في مُختلفِ الصُحُفِ العالمية خبرَ إعادة القضية القديمَة، وخبر حبسِ سبعةٍ من كِبارِ مُدراء تِلك الشركة ومُصادرةِ كُل مُمتلكاتهِم بتهمة الفسادِ وسرِقةِ أموال الشركة، وهو الشيء الذي اعترفوا به وأكدوا أنهم كانوا وراء إفلاس الشركة وإغلاق مصانِعها.

إذاً فقد حُلت القضيةُ أخيراً وكُشِف صُناعُها، إلا أنني لا أزال أنتظر عودة الـ”همر” بفارغ الصبر وكلي لهفةٌ لسماع قِصة مشوارها في كشف مُلابَسات القَضية وإظهار الحقيقة. كل ما أتمناه ان لا يكون الإعياء والتعب استنزف كل طاقتِها ولم تعُد قادِرة على العودة!

 

‎تعليقات الفيسبوك

‎تعليقات الموقع

  1. محمّد يوسفْ
    رد

    جميلة الحكاية، فهي وإن حكت عن تاريخ عائلة الهمر! إلا أنها تبرز ذلك الطّفل الحاذق بداخلك =) ، . احساس مفعم يلخص سر اعجابك بالسيارة! الهمر والهمر ، . ههههه ، . أنا بشتري لي همر ، . كل التوفيق لك يا أحمد ، .

  2. سعود العبدولي
    رد

    حكاية اقل ما تقال انها رااااااااااائعة في المجال القصصي وخاصة بسرد حكاية السيارة الي لطالما تميزت بها

    كل التوفيق لك بو شهاب

  3. حميد بن حرب الشامسي
    رد

    ماشاءالله عليك.. أسلوب جداً رائعة.. مع أنه موضوع السيارة صعب انك تخرج بكل هذه الأحداث.. إلا انك أبدعت..

  4. Mishal Al Marzooqi
    رد

    قصة رائعه جداً .. تطرقت في تواريخ و معلومات لم أكن اعرفها.. اسلوبك في الكتابه رائعه.. اتمنى أن أرى لك كتاباً في المستقبل .. مبروك على تكريمك و حصولك المركز الثاني في جائزة الإمارات.. ربي يوفقك صديقي المبدع

    تحياتي

‎أضف تعليق