قَال تَعَالَى: { وَيَسْأَلُونَك عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } الآية 83 من سورة الكهف.

أنزل الله عزوجل هذه الآيات من سورة الكهف بعد أن سأل اليهود النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن “ذي القرنين”، حيث ذُكرت بعض قصصه في كُتُبِهِم. وتعد قصة ذي القرنين من أكثر القصص المذكورة في القرآن الكريم غموضاً نظراً لقلة تفاصيلها وتشابه بعض تفاصيلها بما ورد في الكتب اليهودية.

 

من هو ذي القرنين؟

كثرت الروايات عن سبب إسمه، إلا أن أكثرها راح إلى أن قومه سموه بذلك الإسم إعجاباً به، وتحية لهمته العالية وشهامته، حيث نشأ ذي القرنين في أُمة مستعبدة، احتلتها وأعتدت عليها دول مجاورة لها، ولما ظهر هو ورأى ما على أُمته من ضعف واستعباد، حزن وفكر بفعل شيءٍ من أجل تحرير بلاده مما هي عليه.

 

الدعوة

بدأ ذي القرنين يدعو قومه للعمل على التخلص من ظلم الدول المجاورة ودعائهم إلى التوحد والالتفاف حوله وتأييده، ولكن القوم اعتادوا على قبول الظلم والذل، وطلبوا منه ألا يتكلم في هذا الموضوع حتى لا يعلم ملك العدو فيجهز جيشا قوياً يهاجمهم به.

لم يياس ذي القرنين، فقد وهبه الله صِفاتاً عظيمة، وكان ذو عقيدة صادقة، وإيمانٍ راسخ، وحكمة ورأيٍ سديدين. وكان قوي البدن ذو صحة وقوة.

 

الرؤية العجيبة

ذات ليلة رأى ذي القرنين في مَنامِه رؤيا عجيبة جعلته يتفاءل بها كثيراً، حيث رأى وكأنه صعد إلى الشمس، أو كأن الشمس اقتربت منه حتى أمسك قرينها بيديه، صحا ذي القرنين من منامه وقص على أصحابه وهو منشرح الصدر مسرور. وكان تفسير الرؤيا من أصحابه أنه سيقوى ويصبح رجلاً قوياً له أتباعٌ وجيش، وسيملِكُ الدنيا كلها ويمسك قرنيها المشرق والمغرب .

 

ذي القرنين والملك

زاد نفوذ ذي القرنين، حتى أصبح مع الأيام زعيماً للبلاد كلها والتف حوله الناس وعاهدوه على السمع والطاعة ومحاربة العدو، حتى يرجع لهم حقهم. وكانت بلاد ذي القرنين تدفع أموالاً كل عام للملك المجاور ضريبة فرضها عليهم، ولما حان موعد دفع هذه الأموال حضر رجال الملك ليجمعوا هذه الأموال من الناس، فطردهم ذي القرنين وكتب للملك بأن هذه الضرائب لن تُدفع له بعد اليوم وأنه إن شاء الله قادمٌ لقِتالِهم.

 

الحرب والنصر

أعد ذي القرنين جيشاً ضخماً واستعد للحرب، وسار بالجيش إلى بِلاد الملك الظالم، فلما علم أهل هذه البلاد بقدوم ذي القرنين، القى الله عزوجل في قلوبهم الرعب، وأسرعوا إلى الملك يطلبون منه مصالحة العدو، فغضب لذلك، وجمع الجيش واستعد للقتال .

التقى الجيشان ودار قتال شديدٌ بينهما، وكان الله مع المؤمنين الصابرين، فنصرهم وهزم أعداءهم، وسقط ملك العدو قتيلاً في ميدان القتال، وبذلك خلص ذي القرنين البلاد من ظلم الملك، وأصبح ملِكاً على البلاد كلها والبلاد المجاورة لها، فنشر العدل والأمن بين الناس.

 

ذي القرنين في مغرب الارض!

عزم ذي القرنين على أن يجول بجيشه القوي المُنتصر في أرجاء الأرض لتطهير شرقها وغربها بكلمة الله، وقد أعطاه الله كل ما يجعله قوياً ومُنتصِراً في الارض، قال تعالى: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا }. وسار ذي القرنين بجيشه مُتجِهاً نحو الغرب، فوجد فيها قوماً كافرين لا يعبدون الله، فنصره الله عليهم، واستطاع السيطرة عليهم، فنصحهم وأصلحَ شأن هذه البلاد، وعَمَرها ، وبنى فيها المساجد واستطاع أن يجعل من هؤلاء القوم مؤمنين يدينون بالله عزوجل .

 

ذي القرنين في مشرق الأرض!

سار ذي القرنين نحو الشرق، بعدما اطمأن على حال الغرب، وكان معه جيشه ورجاله من المهندسين والأطباء، وأخذ يدعو كل قوم يلقاهم في طريقه لعبادة الله وحده، فإن آمنوا كرمهم وجعلهم أعزة في الأرض.

 

يأجوج ومأجوج

وصل ذي القرنين إلى بلادِ نهايتها المحيط، فعاد يمشي بجيشه بين سهولٍ واسعة، فوجد فيها أودية خصبة وهضاباً وعِرة. يصعب السير فيها، وظل يمشي حتى وصل إلى فتحة واسعة عريضة بين جبلين عاليين، ووجد وراء الجبلين أمة وقبيلة صالحة من الناس، لها دين وإيمان ويعبدون الله ولكنهم معزولون عن الناس، وكانت هذه الفتحة الواسعة بين الجبلين هي سبب تعبهم ومشقتهم، وخوفهم على أولادهم وأنفسهم، لأن من هذه الفتحة الواسعة تأتي منها قبيلتان متوحشتان، كانوا يأكلون كل شيء ويعتدون على الأمة الصالحة التي تعبد الله، فيهلكون زرعها وثمرها، ويقتلون النساء والرجال والأطفال بوحشية لا رحمة ولا دين عندهم، هم “يأجوج ومأجوج”.

ولما رأت القبيلة المُؤمنة جيش ذي القرنين يأتي بلادها، وسمعت عن عدله وصلاحه فرحت به، وذهب وفد من شيوخها، وأعلنوا عنده إيمانهم بالله، واشتكوا له من يأجوج ومأجوج، وذكروا لذي القرنين أمراً خطيراً حيث قيل له إن يأجوج ومأجوج لديهم الكثير من الأولاد ويتكاثرون بِسُرعة هائلة، وأنهم سيملؤون الأرض بأولادهم عن قريب، وينشرون الفَساد والكُفر بين الناس، فطلبوا منه أن يقيم سداً منيعاً بين الجبلين، يسد الفتحة التي يدخلون منها، وعرضوا على ذي القرنين أن يعطوه أجراً لهذا العمل.

فأجابهم بأنه لا يبحث عن المال وإنما ينشر الإيمان وعبادة الله وحده، وأن ما يريده هو أن يعينوه على بناء هذا السد، وقد أمر ذي القرنين القوم أن يجمعوا قطع الحديد، وأمر المهندسين فقاسوا المسافة بين الجبلين وارتفاعها، وأمر العمال فحفروا أساساً في الارض، ووضع قطعاً من الحديد بين الجبلين، وجعل بين كل طبقة من الحديد وأخرى كمية من الفحم، ومازال يرفع الحديد العريض حتى سد بين الجبلين، وظل العمال ينفخون في الفحم حتى تحولت قطع الحديد إلى نارٍ سائلة، وصب النُحاس على الحديد المنصهر مملياً الشقوق، وتحول السد إلى سدٍ ضخم عال لا يستطيع يأجوج ومأجوج النفاذ منه.

وبعد اكتمال البنيان وارتفاعه، نظر إليه ذي القرنين فحمد الله وشكره، وقال: { هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي }.

وفُرِج على الأمة الصالحة، وعاشت في أمان وتفرغت للعبادة وعمل الخير، فكان ذي القرنين لهذه القبيلة رحمة من الله للمؤمنين .

 

 

هذا الموضوع هو أحد المواضيع التي قُمت بكتابتها وأنا في “المرحلة الإعدادية” بالاستعانة بمصادر موثوقة ومراجعة دقيقة.

‎تعليقات الفيسبوك

‎تعليقات الموقع

  1. Mishal Al Marzooqi
    رد

    ما شاء الله .. قصه رائعه جداً .. مبدع كعادتك يا أحمد و هذا ليس بغريب عليك .. ننتظر المزيد من المشاركات

    اتمنى لك التوفيق
    مشعل المرزوقي

‎أضف تعليق