التاريخ قصصٌ وعِبر، فالقصصٌ تُدونُ وتحفظ لآلاف السنين لتتناقل من جيلٍ لآخر مصحوبة بتحليلات مختلفة لعِبرِها، فلا شك أن فهم واستيعاب الإنسان للعبر يختلف من زمنٍ لزمن، فقد يأوِلُ شخصٌ من القرن الخامس عشر حدثٌ عاشته البشرية قبل قرنه بخمسة قرون، ويصيب بتأويله ويستفيد من عِبره. بينما يأوِل آخر من القرن العشرون نفس الحدث بتأويلٍ مختلف ويستفيد هو كذلك.

أما اليوم ونحن نعيش واقِعاً كواقعِنا المليء بالقلاقل والفتن، فقد أصبح لِزاماً علينا استخدام كل ما نملِكُه من إمكانياتٍ متاحة قدَّ تُفيد في تحسين الوضع وصنع مُستقبلٍ أفضل، ولعل تصفح كُتُب التاريخ تُعد من تلك الإمكانيات التي “لاتزال مُتاحة”. قال الله تعالى في كتابه الكريم: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ } سورة يوسف.

ومن بين صفحات تاريخ الثورات في العالم، اخترت استعراض التجربة الفرنسية في القرن السابع عشر ومقارنتها بالواقع المصري اليوم، مع علمي بالتجربة الجزائرية في عام 1991 والتي تُعد الأقرب من حيث الشكل لمثيلتها المصرية، حيث شهدت انتخابات فاز بها أحد الأحزاب المحسوبة على الإسلاميين، فتدخلت المؤسسة العسكرية وقامت بتعيين شخص من رجال الدولة لُيدير البلاد في مرحلة انتقالية بعيداً عن نتائج الانتخابات.

إلا أن مقارنتي هُنا تتمثل في الشكل العام للثورة المصرية منذ بدايتها في 25 يناير 2011 “رغم عدم اكتمالها أو عدم تحديد مصير الثورة حتى الآن”! وبمثيلتها الفرنسية التي امتدت من العام 1789 حتى العام 1799م.

الأسباب متقاربة، لويس السادس عشر ينفرد في السلطة غير مُبالٍ بشعبه، ذو صلاحية مُطلقة، مُحاطاً بطبقة واسعة من النبلاء والأعيان. زوجته “ماريا أنطوانيت” أُشيع عنها الكثير من اللغط حول مشاركتها في اتخاذ القرارات السياسية وتدخلها في أمور الدولة. إضافة إلى كون فرنسا في ذلك الوقت دولة ملكية دستورية يتوارث فيها الحكم من الأب لابنه. أما الأسباب الرئيسية الأخرى فكانت اقتصادية بامتياز، إذ كان الجوع وسوء التغذية منتشرًا بين الفئات الفقيرة في فرنسا مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية كالخبز وأسعار المحاصيل.

أما واقع مصر قبل عام 2011، فكان لا يختلف كثيراً عن ما سبق، حسني مبارك مُنفردٌ بالسلطة غير مُبالٍ بشعبه، ذو صلاحية مُطلقة ومحاطاً بطبقة من التجار والنبلاء. زوجته “سوزان مبارك” أُشيع عنها الكثير حول مشاركتها في اتخاذ القرارات السياسية وتدخلها في بعض أمور الحكم. أما فيما يخص نظام الدولة، فمصر تُعد دولة جمهورية لا يجوز فيها توريث الحكم ولا البقاء فيه أكثر من فترتين رئاسيتين، وهذا ما بدأ بالتغير في عهد مبارك حيث أكمل الرئيس السابق 30 عاماً في حكم البلاد، وقيل أنه كان ينوي نقل السلطة إلى ابنه “جمال” ليكون خليفته من بعده. أما المشاكل الاقتصادية فكانت متشابهة كذلك، فالفقر وسوء التغذية والأُميةُ والبطالة كانت تنتشر بين ملايين المصريين، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية كالخبز والمحاصيل والمواصلات العامة والمحروقات بالمقارنة مع دخل الفرد المصري.

هذه القرائن وإن كانت متشابهة في أغلب الثورات على مر التاريخ، إلا أن هناك صفة إضافية جعلتني أستذكر مجريات ثورة 1789 فور اندلاع الأحداث المصرية الأخيرة في 30 يونيو الماضي. إنها قيام شعب كامل، بإزالة حكم طاغوت ترأس البلاد لعقود، ثم يقوم الشعب هذا باختيار رئيسٍ جديد للبلاد ليصنع لها مستقبل مشرق، إلا أن هذا الرئيس يكون غير مناسبٍ، فتندلع ثورة أخرى مجدداً، وتعصف بالرئيس الجديد وبملكه.

في باريس، وبعد إعدام لويس السابع عشر، تم انتخاب رئيسٍ جديدٍ للبلاد “روبسيبر” والذي أكمل مسيرة الدكتاتورية في فرنسا حيث سفك دماء ما يقارب الـ 40,000 شخص كان هو آخرهم، حيث لم تمتد فترة رئاسته لأكثر عن عام. ووسط هذه المشانق والفتن، ظهر الرجل القوي في فرنسا “نابليون بونابرت” عام 1799م حيث أعاد هيبة الدولة وقوتها الخارجية بصولاته وجولاته والمستعمرات التي كان يبنيها. إلا أن خسائِره المفاجئة في حروبه الأخيرة ووصول القوات البريطانية لباريس أدت إلى عزله عن السلطة ونفيه بعيداً عن موطنه.

في القاهرة، الثورة لم تنتهي بعد، بل مازالت في عنفوان شبابها. عُزل الرئيس السابق محمد حسني مبارك، خلفته انتخابات أسفرت عن رئيسٍ جديدٍ للبلاد، “محمد مرسي”، لم يكمل عامه الأول حتى تمت تنحيته من الحكم بعد أخطاءٍ في الحكم خارجياً وداخلياً. والآن تستعد مصر لانتخاب رئيسٍ جديد مُنتخب سيكون نظير “نابليون” في سُلم ترتيب الرؤساء بعد الثورة. فهل سيكون رئيس مصر القادم على الطريقة “النابليونيه” أم أن مسلسل الإقصاءات والعزل سيستمر!

‎تعليقات الفيسبوك

‎تعليقات الموقع

  1. خالد
    رد

    موضوع اكثر من رائع و نابع من التاريخ وهل هناك اجمل من التاريخ اشكرك اخي على الموضوع الرائع و الله يحمي مصر و الامة الاسلامية من شرور الزمان تحياتي لك

‎أضف تعليق