“متى .. بتعطوني آيباد ؟”.. سؤال بدا مُضحكاً للحاضرين، وُجِه من قِبل طفلٍ يبدو في المرحلة الابتدائية إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم – حفظه الله – أثناء مؤتمر القمة الحكومية، والتي استغلها سموه للرد على أسئلة المواطنين بشكل مباشِر وأمام حشد كبير من أبرز قيادات الصفوف الأولى بالدولة. ثلاث كلماتٍ من طفل لم يتجاوز الحُلم جعلت صاحب السمو يقف من على كرسيه وينادي بالوزير المختص: ” وين وزير التعليم؟ .. عطوه ميكروفون”.

وكان رد معالي حميد محمد القطامي وزير التربية والتعليم حينها: “طويل العمر.. بعد ما أطلقت سموك مبادرة محمد بن راشد للتعليم الذكي في 10 أبريل 2012 وكان إصرارك يومها أن التطبيق لازم يبدأ في العام نفسه.. قمنا بتشكيل فرق فنية بيننا وبين كل شركائنا الإستراتيجيين وقام الفريق بالاطلاع على أفضل المُمارسات المُتبعة في الدول اللي طبقت المشروع.. وهذا المشروع على فكرة هو الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط .. فريق العمل يا طويل العمر زار أستراليا وكوريا وتركيا.. خلال 4 شهور .. تم إعداد البنية التحتية لاستيعاب هذي التكنولوجيا وتم تجهيز المدارس .. اخترنا 16 مدرسة لبدأ تطبيق البرنامج وبدأنا بأربعة مواد أساسية .. وتم تدريب المعلمين في هذه المدارس .. وتم توفير البيئة والتقنية والشبكات المطلوبة .. حاليا توجد خطة لإضافة 100 مدرسة أُخرى .. وخلال 4 سنوات سيتم ربط كل المدارس بالدولة وان شاء الله سيكون برنامج التعليم الذكي هو نموذج ذكي في الدولة”.

وأضاف معاليه ردأ على الطفل السائل: “واُبشر الطالب هذا أننا وفرنا 11 محتوى تعليمي في النظام.. وإن شاء الله بيوصله آيباد مثلما طلب هو من برنامج محمد بن راشد للتعليم الذكي”.

بهذا التحول الكبير في مجال التعليم، تعيش دولة الإمارات العربية المتحدة ظاهرة جديدة تُعد إحدى أهم قفزاتها التاريخية نحو التقدم والارتقاء بالإنسان، فهذه القفزةً السباقة في طريقة إيصال العلم على طبقٍ من تكنولوجيا حديثة تسهل البحث والوصول لأكبر كمٍ من المعلومات المطلوبة في مدة زمنية قليلة، وتُضفي نوعاً جديداً من التشويق للطالب والمؤسسة التعليمية ككل، من حيث الابتعاد عن الروتين الاعتيادي الذي اعتادته الأجيال المتلاحقة من كُتُبِ ودفاتر وأقلامٍ وطباشير! وهي كذلك خطوة جادة في سبيل تعزيز الدور الريادي لمجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة نحو تحقيق الريادة في مختلف الأصعدة، ولإنتاج جيلٍ جديد يحاكي الحضارة والتكنولوجيا الحديثة ويتربى من صِغرِه على مواكبة كل ما يحوم حوله في الفضاء الرقمي الواسع المتطور كل يوم.

ورغم كل مافي الأمر من إيجابياتٍ وأرقام تصب في صالح الكف الأثقل من الميزان، إلا أن الموضوع كغيره من صناعات البشر المختلفة لا يقتصر على موجبٍ بغير سالب، فحتى أهم الاختراعات التي “لا نتخيل العيش دونها” كالطائرات والسيارات وأجهزة التكييف وغيرها، لها سلبيات بيئية حذرت منها العديد من الجهات والجمعيات العالمية كظاهرة ثقب الأوزون “الشهير” أو تلوث الهواء والماء، وآلاف الأطنان من الغازات والنفايات الضارة الناجمة عن تلك الصناعات، بالإضافة إلى سلبياتها المختلفة على مستوى الفرد.

وبالحديث عن نجم تكنولوجيا السنين الأخيرة وأكثرها انتشاراً وتأثيراً “الآيباد”، فهو كغيره من الأجهزة سلاحٌ ذو حدين، يتفق في بعض مشاكله البيئية مع أقرانِه من الأجهزة، وإذا حاولنا تسليط الضوء على تاثيراته السلبية على مستوى الطلبة في المدارس والجامعات، نستخلص نقاط مُهمة يجب الأخذ بها بعين الاعتبار، حيث لاحظ الباحثون بجامعة “سيناي” التخصصية لطب العيون بنيويورك أن الأشخاص الذين يقرؤون الرسائل ويتصفحون الانترنت على هواتفهم النقالة أو الأجهزة اللوحية كالآيباد وغيره يميلون إلى تقريب الأجهزة من أعينهم أكثر من الكتب والصحف ما يجبر العين على العمل بشكل متعب أكثر من العادة. وقال العلماء إن قرب الأجهزة من العين بالإضافة إلى صغر الخط في الأجهزة الإلكترونية الحديثة يزيد من تعب الأشخاص الذين يضعون النظارات أو العدسات اللاصقة، مما قد تترتب عليه أعراضُ مِثل أوجاع الرأس وتعب العين. ليس هذا فحسب، بل إن الإدمان على استخدام هذه الأجهزة قد يعرض جسم الإنسان للإشعاعات الكهرومغناطيسية والتي قد تتسبب في الصداع المزمن والتوتر والرعب والانفعالات غير السوية وزيادة الحساسية بالجلد والصدر والتهاب المفاصل وهشاشة العظام، وقد يترتب على الجلوس الطويل مع هذه الأجهزة ألمُ في أسفل الظهر وآلامُ في الرقبة، وضعفٍ في عضلات المثانة والتبول اللاإرادي، وضعف في الأعصاب وخمول وكسل في العضلات. إضافة إلى المخاطر النفسية على الأطفال كالأمراض النفسية واضطراب النوم والقلق والتوتر والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية والانطواء والانفراد بالجهاز، وانعزال الطفل بنفسه عن أسرته.

قال أحد أطباء علم النفس مُعلِقاً على هذا الموضوع، وهو الأخصائي الدكتورعلي الحرجان أن للأجهزة الإلكترونية فوائد كثيرة رغم التأكيد على أضرارها، وقال: “شاعت في مجتمعنا الآثار السلبية للأجهزة التكنولوجية وسوء الاستخدام لها، والذي يؤدي إلى التسبب في العديد من الأمراض النفسية والعضوية، ولكن غاب عنا أن للأجهزة التكنولوجيا فوائد أكبر قد تستغل بشكل إيجابي في توجيه الطفل وتنمية إدراكه العقلي بشكل صحيح، وعلينا أن نتمتع بالفهم والإدراك الكافي لاستغلال هذه الأجهزة بالإيجاب، من خلال توفير أجهزة لابتوب لكل طالب في المدرسة، واستخدامها في التعليم والترفيه أيضاً مع خلق جو توعوي وتوجيهي لهذه الألعاب، فالطفل بحاجه إلى أقل من ساعة تمارين ذهنية تسهم في تنمية خلاياه الذهنية، واستخدام هذه الأجهزة في التعليم وتوفيرها في المدارس قد يسهم بشكل إيجابي في تطوير الطفل. ولا ننكر الآثار السلبية لأجهزة التكنولوجيا، وما تسببه من أمراضٍ نفسية تؤثر على حياة الطفل اليومية والدراسية”.

ماهي إلا سنة أو سنتين، وسيتم التطبيق الكلي لهذا النظام، وسيتم تعميمه على مختلف المدراس. وعندها لابد لنا الجزم أننا سندخل عصر تعليمٍ جديد، فكم “سيوحشنا” شكل الطالب الذي أعتدنا تخيله وهو يجر شنطةُ تزن أحياناً ضعف وزنه أو أكثر، وتحتوي على كتب ودفاتر ومقلمة تزخر بتنوع محتوياتها من أقلام ملونة وممحاة ومبراة ومسطرة، لا يمر عليها أكثر من شهرٍ حتى تتقلص هذه الأدوات لتصل في بعض الأحيان إلى قلم رصاص واحد يخبِؤهُ صاحِبُه في جيبه ويحتفظ به طوال العام الدراسي. وكم سنفتقد حكاية “تجليد الكُتب”، تلك الحكاية السنوية التي أعتاد عليها الأهالي وتعاقبت الأجيال على إتقانها وممارستها حتى ظننا أن مسابقة “تجليدٍ” ستقوم قريباً برعاية وزارة التربية والتعليم!

لا نقصد إهمال الكتاب أو الدفتر أو مصادرة الأقلام، فهي كانت وستبقى رمز العلم والتعلم على مر العصور، إلا أن الـ “آيباد” وأصحابه يشكلون الوجه الحضاري الجديد للكتاب، حيث لا حاجة سنوياً لطباعة ملايين النسخ الورقية، بل سيكتفي العالم بالنسخ الإلكترونية التي ستحتوي على نفس جرعات العلم والمعرفة التي يضمها الكتاب بين ذراعيه.

 

تطور القراءة على مر العصور

تطور القراءة على مر العصور

“الآيباد” يا سادة هو أداةُ مُعاصرة تم توفيرها لاستخدامها فيما ينفعُنا ويطور مهاراتِنا ويعزز في استخلاص مواهِبِنا وابداعاتنا الكامنة، قامت الحكومة بإدخالها في العملية التعليمية لتطويرها، أما الباقي فهو على المدارس والجامعات وأولياء الأمور وكل معنيٍ في الأمر لتوجيه الجيل الجديد نحو الاستخدام الأمثل للجهاز، وتحدي الجوانب السلبية وتحويل مسارها من سلبية إلى إيجابية تصب في الصالح العام، فكم يختصر علينا البحث الإلكتروني جزءاً كبيراً من وقت البحوث والتقصي وسط تلك الكتب والوثائق. إذاً فهي طريقة عرض مختلفة لا أكثر، وتبقى القيمة الفعلية فيما يحتويه هذا الجهاز من علم ومعرفة لا في مظهره ولونه وصفاته التقنية، وأما المسؤولية.. فهي مسؤولية الجميع.

 

ختاماً، استغرقت ساعاتٍ لإخراج هذا العمل جالساً على الكرسي ومواجِهاً لشاشة الحاسوب، وها أنا أشعر الآن بآلامٍ في الرقبة، وتراخي في عظام الرجل، وإعياءٍ في العيون وصداعٍ راودني منذ ساعة أو أكثر. بالإضافة إلى إحساسي بعدم الرغبة في الحديث مع من حولي كوني أطلت فترة الصمت وأعتدت عليها خلال هذه الساعات. وكما يقول المثل الشائع “اسأل مجرب ولا تسأل طبيب”، فها أنا عِشتُ تجربة بسيطة مع السلبيات الصحية والنفسية، إلا أنه وعلى الجانب الآخر فقد كانت الإيجابية هي إخراج هذا المقال الذي قد يبقى مُخلداً بين أروقة الشبكة العنكبوتية.

‎تعليقات الفيسبوك

‎تعليقات الموقع

  1. khalid
    رد

    مقال اكثر من رائع و اقدر اقول الي حاب يفهم شو صاير يقدر يقرا مقالاتك بكل سهوله مثل ما يقولون السهل الممتنع

  2. Eman Al-Mulla
    رد

    مقال أكثر من رائع يا أحمد .. صحيح الأيباد وغيره من الأجهزة الالكترونية الحديثة وما يصاحبها من برامج التواصل الإجتماعي سلاح ذو حدين ..
    أنا عن نفسي أحبذ الكتاب والقلم على هذه الأجهزة لغايات القراءة والكتابة 🙂

‎أضف تعليق