خصنا الله عزوجل من بين كل أبناء آدم أن جعلنا ننتمي لهذه الأُمة، المذكورة في كتابه الكريم: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس }. هو فخرٌ عظيم، يقترن بحملٍ ثقيل وواجباتٍ كبيرة علينا حملُها والعمل بها ونقلها من جيلٍ لآخر. فتاريخنا متخمٌ بأسماء أُناسٍ عظماء، عظماء بما قدموه لهذه الأُمة، عُظماء بالإرث الكبير الذي ورثوه لنا، فلنا في أغلب المجالات جهابذةٌ من أُمتنا كان لهم الدور الأكبر في تطور هذا المجال، فلنا عُظماء في السياسة والعلوم العسكرية والإدارة، ولنا في الطب والهندسة والعلوم والفلك وغيرها.

ولما لواقعنا الحالي من مشاكل واضطرابات، فلا ملجأ يُؤنِسُ صدورنا إلا صفحات تاريخنا المشرقة، والتي تبشرنا في كل زاوية لها بأن لنا أجداداً عُظماء سخروا كل ما يملكون لخدمة أُمتهم ومجدها. وهنا لا نعني أن تصفح التاريخ هو للتسلية أو قضاء الوقت، بل بالعكس تماماً فاستعراض حكايات التاريخ تزودنا بالدروس والعِبر وتمثل ضوء المشكاة التي قد تقودنا لحل معضلة هذه الأُمة وحل أحجية تخلفها المُستميت لأكثر من قرنٍ مع كل ما تتمتع به إمكانيات وقدراتٍ بشرية ومادية وحتى معنوية ربانية.

فإذا بدأنا الإبحار في أعماق تاريخنا، فسنقع في محيطات فضل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصديق أبي بكر، الذي لم يتهاون في كبح جماح المرتدين الذين أثاروا الفتنة في الأُمة بعد وفاة الرسول الكريم. وعندما نذكر اسم ابن الخطاب عُمر الفاروق فهذا يكفينا لنستذكر قصص الفتوحات الإسلامية وإرساء القواعد الأساسية لعلم إدارة الدولة التي توارثها الخلفاء من بعده. كما نستذكر مواقف أسد بني هاشم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبناءه سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين. وها هو القائد الفذ خالد بن الوليد سيف الله المسلول الذي خاض عشرات المعارك ولم يُهزم في أيٍ منها! كذلك الحال مع الأبطال الذين لا نزال نستذكر منافعهم على أُمتنا أمثال محرر القدس القائد صلاح الدين الأيوبي وقاهر الروم وفاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح وغيرهم من الخلفاء والقادة الأبطال الذين تركوا أعظم الأثر في تاريخ هذه الأمة التي لن تنسى ما قدموه وستبقى تذكرهم في مقدمة صفحاتها المشرقة.

وهُنا في هذا الموضوع، اخترتُ أن أجمع مقتطفاتٍ عن سيرة عددٍ من أبطال تاريخنا، وأُسلِط ضوء قِنْديل أُمَتِنا على بعض العُظماءِ الذين قد تخفى سِلسِلةُ بطولاتِهم عن كثيرٍ منا، مع أن لهم سيرة ذاتية مزخرفةً بتضحياتٍ تفوق التصور “أحياناً”، تملؤ قارئها بالفخر والاعتزاز وتحفزه للحذو حذوهم ومحاولة التحلي بروحهم وهمتهم العالية في إنجاز “حتى” الأعمال اليومية التي نصادفها.

هم ليسوا بأقل شأناً ولا فضلاً ممن تم ذكرهم، إلا أن ما يميزهم هو أنهم أقل شهرة ممن سلف:

 

عمرو بن العاص

مسجد عمرو بن العاص - القاهرة

مسجد عمرو بن العاص – القاهرة

داهية العرب وفاتح مصر

الحقبة الزمنية: الخلافة الراشدة
تاريخ الميلاد: 14 فبراير 592م
تاريخ الوفاة: 682م

قال عنه رسول الله: “أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص”. وفي حديث آخرقال: “ابنا العاص مؤمنان: عمرو وهشام”. وقوله عليه الصلاة والسلام: “وصدق عمرو، إن لعمرو عند الله خيرًا كثيرًا”.

هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، فارس ٌمن أعتى فرسان قريش وأحد شعرائها. كان من أشد المحاربين للإسلام قبل دخوله فيه حيث كان من ضمن الوفد الذي أُرسل إلى الحبشة لإسترجاع المسلمين المهاجرين من قريش. أسلم في العام الثامن من الهجرة وقد تجاوز الخمسين، ليكمل بعدها سلسلة بطولاته لكن هذه المرة بعباءته الإسلامية.

بعث رسول الله عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. ولما توفي الرسول وارتد الناس عقد أبو بكر أحد عشر لواءً لحرب أهل الردة وكان عمرو من قادة تلك الألوية، وفي معركة اليرموك الحاسمة كان عمرو على الميمنة، فكان له أثر كبير في انتصار المسلمين آنذاك، كما تابع عمرو سلسلة فتوحاته بمشاركته في معركة فتح دمشق والمناطق المحيطة بها، كما فتح الله على يده غزة وسَبَسْطِية ونابُلُس واللُّدّ ويُبْنَى وعَمَواس وبيت جِبْرين ويافا ورفح.

وبعد ما كان له من صولات وجولاتٍ في فتح البلدان، أرسله عمر بن الخطاب لفتح مصر والتي كان يقود جيشها أحد أدهى قادة الرومان في ذلك الزمن ” أرطبون”. فلما ذهب عمرو بن العاص إلى مصر، أراد أن يعرف وضع مصر من الداخل، فطلب أن يُرسِل رسولاً لمقابلة قائد الرومان لمفاوضته، فوافق الرومان، إلا أن الرسول الذي تم ارساله هو عمرو بن العاص نفسه وبدون علم الرومان. دخل عمرو على “أرطبون” وأخذ يفاوضه ويناقشه، وعند انتهاء المحادثات شك قائد الروم أن يكون هذا الرسول هو عمرو بن العاص نفسه لما كان له من دهاءٍ وحكمة في القول، فأعطى أوامر لرجاله بإلقاء صخرة فوق رأسه فور خروجه من الحصن، إلا أن عمرو داهية العرب أرتاب في تصرفات الحرس ولمح تصرفات مريبة أثناء خروجه، فعاد بهدوء لقائد الروم وقال: “قد بادرني خاطر أردت أن اطلعك عليه.. فمعي حيث ما كنت جماعة من أهل الرسول السابقين للإسلام لا يقطع عمر الخليفة أمراً حتى يطلعهم عليه ولا يرسل جيشاً من جيوش الإسلام إلا جعلهم على رأس الجيوش.. وقد رأيت أن آتيك بهم حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت ويكونوا على بينة كما أني على بينة” فما كان من الأرطبون إلا أن رحب بالفكرة ورد أمر قتله حتى يأتيهم بالجماعة التي وعدهم بها فيغدر بهم أجمعين، إلا أن عمرو وفي اليوم التالي مباشرة بدء هجومه على الحصن بعد أن علم مداخله ومخارجه من خلال زيارته له.

ولحكايات دهاء هذا الفارس القرشي دواوين لا تحصى، ففي إحدى المعارك ضد الأرطبون، فاجئ عمرو الروم باستيلاءه على حصن لم يتوقعه الروم، وقد نوى التحرك نحو الحصن الآخر، ولأن عدد رجاله لا يتجاوز الـ4000 مقاتل فقط مقابل عشرات الآلاف من الرومان، الذين كان قد جهزهم الأرطبون وقادهم بنفسه لاسترداد الحصن، فقد أعد عمرو خطة لذلك، فجعل عدداً قليلاً من جنوده داخل الحصن يبرزون ويختفون من أعلى الحصن وكأنهم عدد كبير حتى لما يأتي الأرطبون يظن أن الحصن فيه عدد كبير فيظل محاصراً له، بينما يحرر عمرو الحصن الآخر، فلما وصل جيش الأرطبون انتبه أن هؤلاء هم نفس الأشخاص فعلم بفكرة عمرو وتظاهر بتصديقه للفكرة، فنصب كميناً لعمرو ليصطاده فور عودته من فتح الحصن الآخر، إلا أن داهية العرب خطط لكل هذا وعلم أن الأرطبون سيكتشف الخطة وسيبقى محاصراً للحصن منتظراً عمرو. وبعد فتح الحصن الآخر عاد عمرو بجيشه إلى هذا الحصن “ولكن” من ناحية أخرى غير متوقعة وحاصر من خلالها قوات الأرطبون وتمكن منها.

 

عبد الرحمن الداخل

تمثال عبد الرحمن الداخل في مقاطعة غرناطة التابعة لمنطقة أندلوسيا جنوب إسبانيا

تمثال عبد الرحمن الداخل في مقاطعة غرناطة التابعة لمنطقة أندلوسيا جنوب إسبانيا

صقر قريش

الحقبة الزمنية: الخلافة العباسية
تاريخ الميلاد: سنة 113 هـ الموافق لعام 731م
تاريخ الوفاة: 24 ربيع الآخر 172هـ الموافق 30 سبتمبر 788م

قال عنه المؤرخون: “لولا عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية”. أما أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي “الذي ارسل من يحارب عبدالرحمن الداخل ليضم الأندلس للدولة الإسلامية” فقد كان هو من سمّى عبد الرحمن بن معاوية بصقر قريش وقال فيه: “دخل الأندلس منفردًا بنفسه، مؤيّدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، يعبر القفر ويركب البحر حتى دخل بلدًا أعجميًا فمصّر الأمصار وجنّد الأجناد، وأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه”. كما وشيد له الإسبان تمثالاً تجسيداً لذكراه في عام 2005.

لما نشأت دولة الخلافة العباسية أراد خلفاءها استئصال جذور الأمويين في البلاد الإسلامية، وكان مِمن تبقى منهم “عبدالرحمن بن معاوية بن هشام الأموي” الذي فضل الإبتعاد عن مركز الخلافة العباسية واللجوء إلى الأندلس في رحلة كانت محفوفة بالمخاطر عبر من خلالها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان. وفور وصوله لأرض الأندلس أخذ يخاطب الولاة المقربين من الخلفاء الأمويين السابقين وأخذوا بمبايعته على خلافة الأندلس بعد أن اشتبك مع العديد منهم واستطاع بحنكته وقدرته العالية على هزيمتهم وكبح جماح والي الأندلس “يوسف بن عبد الرحمن الفهري” بعد معارك ضارية.

ومن أبرز ما جاء في قصص بطولاته أنه وقبل أحد المعارك الحاسمة مع يوسف الفهري ترددت بعض المقولات أن عبد الرحمن بن معاوية غريب عن البلاد، وإن معه فرس عظيم أشهب، فإن حدثت هزيمة فسيهرب من ساحة القتال ويتركنا وحدنا للأعداء. وصلت عبد الرحمن بن معاوية تلك المقولة، فقام وفي ذكاءٍ شديد “وقد كان عمره آنذاك لا يتجاوز الخامسة والعشرين” وذهب بنفسه إلى أحد زعمائهم وقال له: “إن جوادي هذا سريع الحركة ولا يمكّنني من الرمي، فإن أردت أن تأخذه وتعطيَني بغلتك فعلت”، فأعطاه الجواد السريع وأخذ منه البغلة يقاتل عليها، حينئذ قال الناس: “إن هذا ليس بمسلك رجل يريد الهرب، إنما هو مسلك من يريد الموت في ساحة المعركة”، فبقوا معه وقاتلوا قتالًا شديدًا، ودارت معركة قوية جدًا، انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية، وفَرّ يوسف الفهري.

كما اشتهر رحمه الله بالرحمة وكرهه لقتال المسلمين، حيث أنه وبعد انتصاره على جيش يوسف الفهري قام بمنع أتباعه من اللحاق بهم، مع أنها عادت دارجة في المعارك بحيث تقوم الجيوش المنتصرة بتتبع فلول المنهزمين للقضاء عليهم، إلا أن عبدالرحمن الداخل قال كلمة حينها سُجِلت في التاريخ: “لا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم”.

ويعود سبب نجاح عبد الرحمن الداخل في بناء دولة الأندلس إلى إهتمامه بإنشاء جيش قوي قادر على الجهاد، وتحفيزه للعلم والعلماء، وفكره العسكري الذي تعلمه، إضافة إلى أخلاقه العالية.

 

نور الدين محمود زنكي
الملك العادل

الحقبة الزمنية: الدولة الزنكية – الخلافة العباسية
تاريخ الميلاد: 17 شوال 511هـ الموافق 1118م
تاريخ الوفاة: 11 شوال 569 هـ الموافق 15 مايو 1174م

يقول ابن كثير فيه: “كان رحمه الله حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعًا للآثار النبوية، مُحافِظاً على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة مُحبًّا لفعل الخيرات، عفيف البطنِ والفرج، مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يُسمَع منه كلمةُ فُحشٍ قطّ في غضب ولا رضى، صموتًا وقورًا.

كان أحد أبرز شخصيات الدولة الزنكية، قاد نور الدين زنكي العديد من الغزوات لاسترداد عدد كبير من البلدان الإسلامية التي فقدها المسلمون في الشام والعراق، كما وتصدى للحملات الصليبية المتكررة، و قام بضم مصر لإمارته وإسقاط الفاطميين والخطبة للخليفة العباسي في مصر بعد أن اوقفها الفاطميون طويلاً، وأوقف مذهبهم. وبذلك مهد الطريق أمام صلاح الدين الأيوبي لمحاربة الصليبيين وفتح القدس بعد أن توحدت مصر والشام في دولة واحدة.

كما وأن من أهم الملامح البارزة في حياة نور الدين محمود علاقته بصلاح الدين الأيوبي، إذ كان هو من ربا صلاح الدين منذ صغره، فكان له بمنزلة الوالد والمعلِّم، وكان يدربه على فنون القتال، ويغرس فيه حب الجهاد في سبيل الله، ثم عينه بعد ذلك قائدًا للشرطة، ثم أرسله بصحبة عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر، ثم ما لبث حتى تولى صلاح الدين الوزارة في مصر.

تميز عهده بالعدل وتثبيت المذهب السني في بلاد الشام ومصر، كما قام بنشر التعليم والصحة في إماراته.

 

يوسف بن تاشفين
أمير المسلمين وناصر الدين

الحقبة الزمنية: دولة المرابطين – الخلافة العباسية
تاريخ الميلاد: 400هـ الموافق 1006م
تاريخ الوفاة: محرم سنة 500هـ الموافق 1106م

هو يوسف بن تاشَفين ناصر الدين ثاني ملوك المرابطين بعد أبو بكر بن عمر. هو الرجل الذي حول مجريات التاريخ في زمانه، كان أول من أُطلق عليه لقب أمير المؤمنين في الأندلس، ثم أرسل إلى الخليفة العباسي في بغداد المستظهر بالله سفيرين يحملان هدايا وطلب تقليده الولاية، فبعث إليه الخليفة بمرسوم الولاية.

أسس أسد المرابطين أول إمبراطورية في المغرب الإسلامي من حدود تونس حتى غانا جنوباً والأندلس شمالاً ونصر المسلمين في الأندلس على الحملات الصليبية في ثلاث مناسبات مختلفة. وحد وضم كل ملوك الطوائف في الأندلس إلى دولته بالمغرب.

كانت من أبرز معاركه ضد الصليبيين معركة “الزلاقة” والتي سميت بهذا الاسم لأن الخيول كانت تنزلق من كثرة دماء الصليبيين التي سالت على أرض المعركة، وفي محاولة ماكرة لخديعة المسلمين أرسل “ألفونسو السادس” يحدد يوم المعركة، فأرسل أن غدًا الجمعة، وهو عيد من أعياد المسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، وأن السبت عيد اليهود وفي جيشنا كثير منهم، وأما الأحد فهو عيدنا، فلنؤجل القتال حتى يوم الاثنين. تسلَّم تاشفين الرسالة، وبوعي تام وبقيادة تعلم خبايا الحروب لم يُعلِم جيشه هذه الرسالة، إذ إنه يعلم أن هذا الرجل مخادع، وبعد ترتيب الجيش وصلاة فجر يوم الجمعة، هجم ألفونسو بجيشه، وتفاجأ بأن الجيش الإسلامي كان على أتمِّ الاستعداد، وبخطة محكمة، تمكن جيش المرابطين من الانتصار وأصاب الصليبيين مقتلة عظيمة، وولَّى ألفونسو مطعونًا في إحدى ركبتيه طعنة أفقدته إحدى ساقيه حتى لقي حتفه.

وبعدها اجتاز ابن تاشفين البحر إلى الأندلس للمرة الثانية فاستولى على غرناطة ومالقة. وفي المرة الثالثة استولى على إسبانيا الإسلامية كلها عام 496هـ (1103م).

 

سيف الدين قطز
قاهر التتار في معركة ( عين جالوت )

الحقبة الزمنية: دولة المماليك – ما بعد الخلافة العباسية
تاريخ الميلاد: —
تاريخ الوفاة: 17 ذو القعدة 658هـ الموافق 24 أكتوبر 1260م

هو أحد العظماء الذين سيخلدهم تاريخ هذه الأمة إلى الأبد، اسمه الحقيقي هو محمود بن ممدود، وقد لقب بهذا اللقب من قبل التتار الذين استرقَّوه منذ صغره وأطلقوا عليه اسمًا مغوليًّا هو قطز، وتعني “الكلب الشرس”، ثم باعه التتار في أسواق الرقيق بدمشق واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عز الدين أيبك ليصبح أكبر قواده فيما بعد.

قام الملك عز الدين أيبك أول سلاطين المماليك بتعيين قطز نائبا للسلطنة، وبعد أن قُتل الملك تولى الحكم السلطان الطفل (ذو الـ15 عاماً) المنصور نور الدين علي بن عز الدين أيبك، وكان سيف الدين قطز الوصي عليه، ولكثرة الإضطرابات والفتن التي نشبت بالدولة وقدوم رسل التتار يهددون مصر بالإجتياح، قام قطز بعزل السلطان الطفل بعد موافقة العلماء، وأعلن نفسه سلطانًا على مصر.

وفور وصوله للحكم، أخذ قطز يجهز الجيش ويعد العدة لمحاربة التتار الذين دمروا بغداد عاصمة الخلافة واجتاحوا الشام وعاثوا فيهم الفساد والخراب، فبدأ بحنكتٍ يرتب أوراقه الداخلية ويقرب العلماء إليه ويحث الناس على الجهاد.

تراصَّ الجميع خلف قطز: شعبًا وأمراءً وعلماء، فبدأ التجهيز العسكري للمعركة، المعركة التي لازلنا نتغنى بها إلى يومنا هذا ( عين جالوت ) وبعد توكلٍ على الله، وخطة ذكية من قطز أثبت بها تفوقه على خصمه “كتبغا” قائد جيش التتار ونائب “هولاكو” كتب الله النصر للمسلمين، وبدأت الكفة -بفضل الله- تميل من جديد لصالح المسلمين، وارتد الضغط على جيش التتار، وأطبق المسلمون الدائرة تدريجيًّا على التتار، وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، وقُتِل كتبغا بيدي أحد قادة المسلمين.

وفر التتار إلى منطقة تبعد حوالي عشرين كيلو مترًا إلى الشمال الشرقي من عين جالوت، إلا أنهم وجدوا المسلمين مُصرين على لحاقِهِم، فلم يجدوا إلا أن يصطفوا من جديد، لتدور موقعةٌ أُخرى عند “بيسان” أجمع المؤرخون على أنها أصعب من الأولى، وقاتل التتار قتالاً رهيبًا، ودافعوا عن حياتهم بكل قوة، وبدءوا يضغطون على المسلمين، وكادوا أن يقلبوا الأمور لمصلحتهم، وكانت هذه اللحظات من أحرج اللحظات في حياة القوات الإسلامية، ورأى قطز -رحمه الله- كل ذلك، فانطلق يحفز الناس، ويدعوهم للثبات، ثم أطلق صيحته الخالدة: “واإسلاماه، واإسلاماه، واإسلاماه”.

قالها ثلاث مرات، ثم قال في تضرع: “يا الله!! انصر عبدك قطز على التتار..!!”.

ما إن انتهى من دعائه وطلبه -رحمه الله- إلا وخارت قوى التتار تمامًا، وقضى المسلمون على أسطورة الجيش الذي لا يقهر ولاحق فلولهم حتى حرر الشام، حيث كانت هذه الهزيمة هي الأولى لهذا الجيش التتري والنصر الأول للمسلمين على جيوش هولاكو.

 

نقش غائر لسليمان يزين مجلس النواب الأمريكي

نقش غائر لسليمان يزين مجلس النواب الأمريكي

سليمان خان الأول بن سليم خان الأول
سليمان القانوني

الحقبة الزمنية: الخلافة العثمانية
تاريخ ميلاده: 7 صفر 900هـ الموافق 6 نوفمبر 1494
تاريخ وفاته: 20 صفر 974هـ الموافق 5 سبتمبر 1566م

عاشر سلاطين الدولة العثمانية وثاني من حمل لقب “أمير المؤمنين” من آل عثمان وصاحب أطول فترة حكم، عُرف عند الغرب باسم سليمان العظيم حيث بلغت الإمبراطورية العثمانية في عهده أقصى اتساع لها حتى أصبحت أقوى دولة في العالم في ذلك الوقت، واشتهر بسليمان القانوني، لأنه وضع نُظمًا داخلية في كافة فروع الحكومة، فأدخل بعض التغييرات في نظام العلماء والمدرسين، وجعل أكبر الوظائف العليا وظيفة المفتي، وأدخل التنظيمات على جيش الإنكشارية، وكانت كلها في ضوء الشريعة الإسلامية.

قاد سليمان الجيوش العثمانية بنفسه لغزو المعاقل والحصون المسيحية في بلغراد وجزيرة رودوس و ترانسلفانيا وأغلب أراضي مملكة المجر بما فيها بوخارست وحاصر فيينا عاصمة النمسا ولولا نفاذ الذخيرة حينها لدى المسلمين وقدوم فصل الشتاء لتمكن الجيش العثماني من الدخول إليها. ضم أغلب مناطق الشرق الأوسط في صراعه مع الصفويين ومناطق شاسعة من شمال أفريقيا حتى ليبيا والقسم الأعظم من تونس، وإريتريا، وجيبوتي والصومال ،وأصبحت تلك البلاد ضمن نفوذ الدولة العثمانية، كما سيطرت الأساطيل العثمانية على بحار المنطقة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر حتى الخليج.

غير أن الذي اشتهر به واقترن باسمه هو وضعُهُ للقوانين التي تُنظم الحياة في دولته الكبيرة، حيث كان القانون السائد في الإمبراطورية مستنداً على الشريعة الإسلامية وكان تغييرها خارج صلاحيات السلطان، حتى ظهر “قانون سليمان” الذي غطى مجالات القانون الجنائي وحيازة الأراضي والجبايات، وجمع فيه جميع الأحكام التي صدرت من قبل السلاطين العثمانيين التسعة الذين سبقوه. وبعد القضاء على الإزدواجية والاختيار بين التصريحات المتناقضة، أصدر مدونة قانونية واحدة، وراعى فيها الظروف الخاصة لأقطار دولته، وحرص على أن تتفق مع الشريعة الإسلامية والقواعد العرفية، وكانت هذه الإصلاحات في إطار سعي سليمان إلى إصلاح التشريع للتكيف مع تغيير الإمبراطورية السريع. وبقي جارياً العمل به قرابة ثلاثمئة سنة أي حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري.

 

الشيخ عمر المختار

الشيخ عمر المختار

عمر المختار
أسد الصحراء وشيخ المجاهدين

الحقبة الزمنية: الخلافة العثمانية – ما بعد الخلافة
تاريخ الميلاد: 10محرم 1275هـ الموافق 20 أغسطس، 1858م
تاريخ الوفاة: 3 جمادى الأول 1350هـ الموافق 16 سبتمبر، 1931م

هو أحد أبطال هذه الأمة في القرن الأخير، بدأ مسيرة الجهاد منذ الحملة الفرنسية على تشاد، حيث تم توكيله بقيادة أحد الألوية المجاهدة هناك، وما هي إلا بضعُ سنوات حتى وبدأ المختار يذيق الإيطاليين المحتليين لبلاده ليبيا الويل رغم ما كان بحوزتهم من عتاد وذخيرة.

كان عمر المُختار مُعلّماً للقرآن الكريم، ومُجاهداً يُقاتل في سبيل بلاده ودينه، وكان قد اكتسب خبرة كبيرة في أساليب وتكتيكات الحروب الصحراويَّة أثناء قتاله الفرنسيين في تشاد، وكان له معرفة سابقة بجغرافيَّة الصحراء وبدروبها ومسالكها. كل هذا سخره ضد أعداءه المعتدين، فبعد إعلان إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية عام 1911 وإنزال قوَّاتها بمدينة بنغازي الليبية أخذ يُجيش الجيوش ويجهز المجاهدين للدفاع عن أرضهم وعِرضهم مع الجيش العثماني، إلا أنه وفي عام 1912 اندلعت حروب البلقان، فأجبرت الدولة العثمانية على عقد صلحٍ مع إيطاليا حيث اضطرَّ نتيجةً لذلك قائد القوات العثمانية من سحب العسكر العثمانيّين النظاميّين من منطقة برقة. أما شيخ المجاهدين فأخذ على عاتقه الدفاع عن أرضه وتجنب أي احتكاك بين المجاهدين والقوات العثمانية عند انسحابها.

شهدت الفترات اللاحقة صراعات محتدمة ضد الطليان، وقد كان المختار يشدد في غاراته وهجماته على الطليان، ففي إحدى أهم المعارك والتي دامت ليومين، أجهز المجاهدون على 70 جندي إيطالياً وتمكنوا من إصابة نحو 400 آخرين، كما دارت بعدها وفي نفس العام ثلاث معارك كانت تميل فيها الكفة إلى المجاهدين الأبطال. كما اشتبك المجاهدون مع القوَّات الإيطاليَّة في معركة ضارية عُرفت باسم معركة الرحيبة، وقد تكبّد فيها الطليان خسائر جسيمة.

وفي إحدى الفترات، وبينما كان عمر المختار عائداً من مصر إلى ليبيا مع مجموعة من أصحابه، تفاجئوا بتعقب القوات الايطالية لهم في الصحراء الليبية.

يروي المختار الواقعة بنفسه: “كنَّا لانتجاوز الخمسين شخصًا من المشايخ والعساكر وبينما تجمع هؤلاء حولنا لسؤالنا عن صحة سموّ الأمير، وكنا صائمين رمضان وإذا بسبعة سيّارات إيطالية قادمة صوبنا فشعرنا بالقلق لأن مجيئها كان محل استغرابنا ومفاجأة لم نتوقعها، وكنّا لم نسمع عن هجوم الطليان على المعسكرات السنوسيَّة، واحتلالهم أجدابية، فأخذنا نستعد في هدوء والسيَّارات تدنوا منا في سير بطيء فأراد علي باشا العبيدي أن يطلق الرصاص من بندقيته ولكنني منعته قائلاً: «لا بد أن نتحقق قبلاً من الغرض ونعرف شيئًا عن مجيء هذه السيارات كي لانكون البادئين بمثل هذه الحوادث»، وبينما نحن في أخذ ورد وإذا بالسيَّارات تفترق في خطة منظمة المراد منها تطويقنا، وشاهدنا المدافع الرشاشة مصوَّبة نحونا فلم يبق هنا أي شك فيما يراد بنا فأمطرناهم وابلاً من رصاص بنادقنا، وإذا بالسيَّارات قد ولت الأدبار إلى منتجع قريب منا وعادت بسرعة تحمل صوفا، ولما دنت منا توزعت توزيعًا محكمًا وأخذ الجنود ينزلون ويضعون الأصواف (الخام) أمامهم ليتحصنوا بها من رصاصنا وبادرنا بطلق الأعيرة فأخذ علي باشا يولع سيجارة وقلت له: “رمضان يا علي باشا” منبهًا إيَّاه للصوم فأجابني قائلاً: “مو يوم صيام المنشرزام”. وفي أسرع مدة انجلت المعركة عن خسارة الطليان وأخذت النار تلتهم السيَّارات إلا واحدة فرّت راجعة، وغنمنا جميع ماكان معهم من الأسلحة”.

وفي 11 سبتمبر من عام 1931 أراد الله عزوجل أن يختبر عبده وعباده، فتم اعتقال الشيخ ذو الـ79 عاماً بعد اشتباكاتٍ ضارية دامت لساعات جرح خلالها حصان عمر المختار فسقط إلى الأرض وتم أخيراً إلقاء القبض عليه. وعندما وصل الأسير إلى بنغازي “مقر حبسه”، لم يُسمح لأي مراسل جريدة أو مجلَّة بنشر أي أخبار أو مقابلات، وكان على الرصيف مئات من المشاهدين عند نزوله في الميناء ولم يتمكن أي شخص مهما كان مركزه أن يقترب من الموكب المُحاط بالجنود المدججين بالسلاح. ونُقل المختار فوق سيَّارة السجن تصحبه قوَّة مسلَّحة بالمدافع الرشَّاشة حيث أودع في زنزانة صغيرة خاصة منعزلة عن كافَّة السجناء السياسيين وتحت حراسة شديدة، وبعد محاكمة صورية، تقرر تنفيذ حكم الإعدام والتخلص من أعتى وأخطر المهددين للاستعمار، واتُخذت جميع التدابير اللازمة لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيات والطيران، وأُحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المُعتقلين السياسيين خصيصًا من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم “بقصد تخويفهم وإذلالهم”. وأُحضر المُختار مُكبَّل الأيادي وفور وصوله إلى موقع المشنقة أخذت الطائرات تحلق فوق ساحة الإعدام على انخفاض، وبصوت مدوّي لمنع الأهالي من الاستماع إلى عمر المختار إذا تحدث إليهم، لكنه لم ينبس بكلمة، وسار إلى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، وفاضت روحه الشريفة إلى جوار ربها.

وبعد مقتله استمرت الحركات الجهادية في التحرك لكن سرعان ما انشغلت ايطاليا بالحرب العالمية الثانية والتي خرجت منها مهزومة واضطرت للانسحاب كليًّا من ليبيا بتاريخ 7 أبريل عام 1943.

 

 

هـذه نبذة مبسطة مُختصرة لا تكاد تتجاوز الواحد بالمِئةِ مما قدمهُ هؤلاءِ العُظماء لأُمتنا. يغمرنا الفخر والإعتزاز بهم، نشعر بالعِزة حين نتذكر قصص بطولاتهم، فَـ هُم .. ونحن معاً .. نُعد مِمن وصفهم عزوجل في كتابه: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ“.

 

‎تعليقات الفيسبوك

‎أضف تعليق